(10) الترَادف

(10) الترَادف

إعداد محمد طاهري حبيب

الترادف هو: دلالة لفظين أو أكثر على معنى واحد.

ومن أمثلته: (أسد وليث وضرغام) للحيوان المفترس، و(عقار وصهباء وقهوة) للخمر، و(بر وقمح وحنطة) للحبة المعروفة.[1] ولتوسعة المعلومات حول مفهوم الترادف لغة واصطلاحا نبينه فيما يلي:

  • معناه في اللغة

فلفظ “الترادف” هو مصدر (تَرَادَفَ) يدل على الحدث دون الدلالة على الزمان، ويدل بصيغته الصرفية، عَلى المفاعلة بين طرفين، (وهما اللفظان اللذان يتعاوران موقعاً سياقيا ودلالة)، وهذا المصدر من مادة (ردف)، التي يدخل ضمن دلالتها، الدلالة على التبعية والخلافة ومن ذلك: “الرِّدف – الراكب خلف الراكب… وكل ما تبع شيئا فهو ردفه… والرِّدافة بهاء: فعل رِدفِ الملك، كالخلافة.. قال المبرد: للرِّدافة موضعان: أحدهما، أن يُردِفَه الملوكُ دوابهم في صيد، والآخر أن يَخْلفَ الملك إذا قام عن مجله، فينظر في أمر الناس”.[2]

الترادف في الاصطلاح

الترادف في اصطلاح القدماء كما يعرفه الإمام الفخر الرازي هو “الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد”[3]. مثل: الخليقة، السجية، الطبيعية، العزيزة والسليقة. كل مجموعة هذه الألفاظ لها مدلولة واحدة وهي صفة أصلية كائنة في النفسي الحية.

  • الترادف عند القدماء

وقد احترز بقولهم (المفردة) من الكلمات وتعريفها مثل قولك الغُصّة هي ما اعترض في الحلق من طعام وشرب، فإنه لا ترادف بين كلمة (الغُصّة) وتعريفها بأن (ما اعترض في الحلق من طعام أو شرب) لأن الثاني ليس مفردا.

واحترز كذلك بقولهم (باعتبار واحد) من الكلمتين المتباينتين في الاعتبار، مثل كلمة “السيف” و”الصارم” فإنهما دلّ على شيء واحد إلا أنهما اختلفا في الاعتبار، فالأولى تدل على الذاتي والثانية تدل على الصفة.

والترادف عكس المشترك اللفظي، فالمشترك اللفظي كلمات اتحدت لفظا واختلفت معنى، وأما الترادف كلمات اختلفت لفظا واتحدت معنى. لذا فكل المشترك اللفظي يحمل ترادفات متعددة، وبتعدد معاني المشترك يكون عدد المترادفات. مثل كلمة “العين” التي لها معان متعددة من عضو الإبصار، ونبع الماء، والجاسوس، والمطر الغزير، والشيء نفسه، فإنه ينتج عن ذلك خمس مترادفات. وهي على التوالي (العين والماء) و (العين ونبع الماء) و (العين والجاسوس) و (العين والمطر الغزير) و (العين والشيء نفسه)[4]

وقد اختلف اللغويون العرب القدماء اختلافا واسعا في إثبات هذه الظاهرة أو إنكار وجودها في اللغة العربية:

الأول: ففريق أثبت وجود الظاهرة أو يؤمن بوجود الترادف، كمثل مانقله ابن فارس(ت: 395 هـ) عن مثبتي الترادف وهو قولهم: “لو كان لكل لفظة معنى غير الأخرى لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته، وذلك لأنا نقول في: لا ريب فيه: لا شك فيه. فلو كان الريب غير الشك لكانت العبارة خطأ”. ويتوسع فيه ومن هؤلاء ابن خالوية (ت: 334 هـ) الذي حكى عن نفسه بمجلس سيف الدولة بحلب أنه يحفظ للسيف خمسين اسماً وألف كتابين في الترادف أحدهما في اسماء الأسد والثاني في أسماء الحية.[5]

وحيث قال أبو سليمان الخطابي (ت: 388 هـ): إن في الكلام ألفاظا متقارب المعنى، يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والبخل والشح، والنعت والصفة، وقولك: أقعد واجلس، بلى ونعم، من وعن، ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف والصفات.

الثاني: وهو يمنع الترادف ويرفضه رفضا تاماً، “ومن هؤلاء أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي (ت: 231 هـ)، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت: 291 هـ)، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه (ت: 330 هـ)، وأبو علي الفارسي (ت: 377 هـ)”[6]

وردّوا على ابن خالويه ساخراً فقال: ما أخفظ له (يقصد السيف) إلا اسما واحداً، فقال ابن خالويه: أين المهند، والعضب، والصارم وكذا وكذا….؟ فقال أبو علي: هذه صفاته[7]. ولا شك أن صفات السيف لها معان مستقلة ومغايرة لاسم السيف، وبالتالي لا يقع الترادف بينها جميعا.

 الترادف عند المحدثين

عرّف اللغويون المحدثون أن الترادف هو ألفاظ متحدة المعنى وقابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق.[8] ويميز كثير من المحدثين بين أنواع مختلفة من الترادف وأشباه الترادف على النحو التالي:

 الترادف الكامل (complete synonymy)

أكثر اللغوين المحدثين على إنكار هذا النوع، حيث “إن ثروة اللفظية للغة ما تتمايز فى إطار الفروق الأكثر خصوصية، ولو كانت الكلمتان مترادفتين من جميع النواحي، لما كان هناك سبب فى وجود الكلمتين معا. كما أن الإختلاف الصوتى يتبعه اختلاف دلالى، ويبين J. Lyons : “أن هناك فروقا دقيقة بين الكلمات التى يعتقد أن بينها ترادفا تاما، ولكن يصعب ملاحظة هذه الإختلافات، إذ إن معلومات الفرد منا عن اللغة بعيدة عن مجال الفحص الدقيق.[9]

  • شبه الترادف (الترادف بمعنى التقارب فى المعنى) (near synonymy)

وذلك بأن يتفق اللفظان فى كثير من الملامح الدلالية، لكن يختلف كل لفظ منهما عن الآخر فى ملمح دلالى مهم أو أكثر. وهذا النوع من الترادف هو الشائع فى اللغة ويوجد داخل ألفاظ المجال الدلالى، حيث تشترك ألفاظ المجال فى كثير من الملامح الدلالية التى تجمعها تحت معنى واحد، لكن تبقى فروق دقيقة أو ملامح دلالية خاصة ومهمة تميز بين كل كلمة وأخرى داخل المجال الدلالي. وبالجملة سوف يتبين لنا أن معظم المترادفات ليست إلا أنصاف أو أشباه مترادفات.[10]

أسباب الترادف

للترادف أسباب كثيرة نذكر أهمها:

  • اختلاف اللهجات:

كأن أن تضع إحدى القبيلتين أحد اسمين والأخرى الاسم الآخر. ومثال لذلك: وَثَبَ  بمعنى قَعَدَ عند حمير، فهما مترادفان.

  • تناسى الصفات والفروق:

فكثير من المترادفات كانت فى الأصل نعوتا لأحوال المسمى الواحد، ثم غلبت عليها الأسمية، فـ(الخطار، والخطام، والباسل، والأصيد) من أسماء الأسد وكان أوصافا فى الأصل. ومن أسماء السيف: (الصمصام، والحسام، والصارم، والرداء، والصقيل، والمشرفي) وكلها تشتمل على فروق معنوية مع كونها أوصافا فى الأصل بحيث أن يكون الواضع للفظين واحدا، وبسبب النسيان أو التوسع في سلوك طرق الفصاحة.[11]

و. أثر الترادف اللغوي

  1. التوسع بما يفيد الشاعر والناثر، وكثرة الوسائل إلى الإخبار عما فى النفس، وقد كان بعض الإذكياء فى الزمن السالف ألثغ، أي لا يستطيع نطق الراء فكان يتخلص من ورودها فى حديثه عن طريق الترادف؛
  2. من المترادفات ألفاظ تبدو فيها خاصة لغوية رائعة هي إظهار ألوان المعانى، وظلالها، وهذا ميزة تكاد تنفرد بها العربية ويعد من خصائصها التى تتجلى فى ألفاظ مترادفة؛

 المراجع:

  1. عبد الغفار حامد هلال، علم الدلالة اللغوية، جامعة الأزهر، (دون سنة).
  2. فريد عوض حيدر، علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، القاهرة: مكتبة الآداب، 2005
  3. السيوطي،المزهر في علوم اللغة، (دون الناشر و سنة)
  4. محمد سعد محمد، علم الدلالة، مطبعة زهراء الشرق، 2002.
  5. احمد مختار عمر، علم الدلالة، ط. 2، الرياط: مكتبة دار الأمان، 1988.
  6. محمد محمد داوود، العربية وعلم اللغة الحديث، القاهرة: دار غريب، 2001.

[1] عبد الغفار حامد هلال، علم الدلالة اللغوية، جامعة الأزهر، ص. 107.

[2]  فريد عوض حيدر، علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، القاهرة: مكتبة الآداب، 2005، ص:118

[3]  المزهر في علوم اللغة: السيوطي، 1/403

[4]  محمد سعد محمد، علم الدلالة، مطبعة زهراء الشرق، 2002، ص: 179-180

[5]  انظر المزهر جـ 1. ص: 405، فريد عوض حيدر، علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، القاهرة: مكتبة الآداب، 2005، ص: 121

[6]  انظر المزهر جـ 1. ص: 405، فريد عوض حيدر، علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، القاهرة: مكتبة الآداب، 2005، ص: 122

[7]  انظر في اللهجات العربية ص 176، احمد مختار عمر، علم الدلالة ط: 2، الرياط: مكتبة دار الأمان، 1988، ص:218

[8] ستيفن أولمان،  دور الألفاظ في اللغة، ترجمة كمال بشر، ط 1، القاهرة: مكتبة الشباب، 1962، ص: 119

[9]  محمد محمد داوود، العربية وعلم اللغة الحديث، القاهرة: دار غريب، 2001، ص. 192.

[10]  المرجع نفسه

[11]  المرجع نفسه، وانظر: محمد سعيد محمد، علم الدلالة، مطبعة زهراء الشرق، ط1، 2002، ص: 197-202

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *